الأحد، 26 نوفمبر 2017

بلهارسيا


في الايام السابقة اجتاحت جميع المواقع الاخبارية كما مواقع التواصل الاجتماعي تصريح المغنية "شيرين عبدالوهاب" عن نهر النيل ورادات الفعل المختلفة حول هذا التصريح، حيث قالت في ردها على إحدى معجباتها التي طلبت منها غناء "ماشربتش من نيلها"، "هيجيلك بلهارسيا". 

أنا هنا لست لأصدر اي حكم على ان ما قالته شيرين عبدالوهاب صحيحا او خاطئا، ولست هنا لأرد عليها باي شكل من الاشكال، ولكن لأحلل هذا الحدث واستخلص منه العبرة. 

في البداية دعونا نتصور معا ان شخص ما قال: "إن السماء تجلب مرض الانفلونزا"، او قال: "إن الارض تجلب أمراض التحسس الجلدي" ولنتصور انسان اخر يسمع إحدى العبارتين السابقتين فماذا سيكون ردة فعله؟ ان ردة الفعل ستكون بحسب نوع هذا الانسان، هل هو انسان بسيط؟ انسان متخصص؟ 

في حالة الانسان البسيط فإنه سيلجأ الى ذكرياته او ملاحظاته ليؤيد هذا القول او ليرفضه، سيرد بسيل من الذكريات التي مرت به في التعامل مع السماء او الارض، او ملاحظاته عن قريب له او جار حصل له كذا وكذا ليدعم رأيه في الحالتين. 

في حالة الانسان المتخصص فإنه سيلجأ الى الدراسة التي قامت حول الموضوع في الماضي يقرأها ويصنفها ويدعو الى دراسة علمية اذا لم يجد اي شيء يخبره عن الادعاء المذكور من احدهم. 

إن الامر لا يخرج عن هذين النوعين من الناس، ولكن ما حصل كان شيء آخر، لقد تم اتهام شيرين عبدالوهاب بمواطنتها حتى وصل الامر الى تخوينها، واصدرت نقابة الفنانين في مصر امرا بمنعها من الغناء فيها، وقامت الجماهير الواسعة بالهجوم عليها بطريقة غريبة، ولكن لماذا؟ ما السبب الذي ادى الى ذلك؟ 

السبب الاول والاساسي هو ان شيرين عبدالوهاب شخصية عامة، كلماتها البسيطة تصبح تصريحا، وتصرفاتها مهما كانت عفوية ولا معنى لها فستوضع تحت المجهر وسيتم تفسيرها بتفسيرات يبلغ عددها الناس التي وصلتهم الاخبار، ان الامر لا يغدو رأي بسيط قاله احدهم ولكن في حالة شيرين فالموضوع غير بسيط، الامر معروف في عالم التسلية والترفيه في بلدان كثيرة لذلك فان الفنانين غالبا ما يلجؤون الى متخصصين واستشاريين لتدريبهم على ما يقولونه او ما لا يقولونه، ما يفعلون وما لا يفعلون.

السبب الثاني والاساسي ايضا هو الثقافة الشعبية التي تعتبر مجرد الرأي بأي شيء لا يوافق التوجه العام بانه خيانة، او مجرد الاشارة الى اي مشكلة هو اشتراك في مؤامرة على الوطن، المختلف ولو بقدر قليل هو خروج عن المجتمع وانكار للثوابت واضعاف للجماهير، هذه الثقافة الشعبية ليست حكرا على شعوب منطقتنا ولكن يمكن ايجادها حتى في بلدان الشمال الغنية وان كانت بمستويات اقل بكثير وذلك بسبب جو الانفتاح والسماح للجميع بالتعبير عن ما يجول في تفكيرهم.

ان كلام شيرين عبدالوهاب هو اشارة الى تلوث النيل، الكل يعرف ذلك، المتخصصون ومنذ وقت طويل يتكلمون عن ذلك، ولكن لم يلتفت لمن يتكلم عن ذلك احد لانهم شخصيات غير معروفة او كلامهم لا يجد طريقه الى وسائل الاعلام ببساطة، ان كلام شيرين يجب ان يكون تنبيه لا سبة، ان يكون خطوة في الاتجاه الصحيح وليس دليل ادانة.

نعم ايها السادة، ان مياهنا في الشرق الاوسط كله ملوثة كما كل مياه العالم، اذا لم تصدق ذلك، اذهب الى اي نهر او بحيرة واغرف منه او منها كوب ماء واشربه وستبدأ المشاكل الصحية اذا داومت عليه بدلا من الماء المعالج.

الخميس، 23 نوفمبر 2017

رسالة في طفولة الانسان


راح الاب يتكلم لابنه عن الله، في سياق الحديث، سأل الابن: هل الله موجود وحده في السماء؟ اجاب الاب: نعم، عندها سأل الطفل: "ألا يخاف من قدوم الذئب وأفتراسه له؟" صمت الاب وكأنه عجز عن الاستمرار في هذا الحديث ولكن انهاه بقوله: "الله خلق الذئب فلذلك لا يخافه!"
بعد تفكير طويل في هذه القصة، خطر لي انها تشكل ملخصا كاملا عن حالة المناقشين في طبيعة الله ووجوده.
هناك الفريق الاول، كالطفل الصغير يراقبون ما حولهم وانفسهم، هم ينطلقون مما لديهم من صور عن العالم كونوها بمراقبة هذا العالم من خلال حواسهم وتجميع المدركات في الذاكرة والمقارنة بينها.
هناك الفريق الثاني، كالاب يرون العالم فقط من خلال ما تلقنوه عن الله بجميع الحجج اللازمة للدفاع عنه عندما كان طفلا.
فالطفل لا يعرف الله، انه يعرف الذئب الذي سمع قصته في قصة ليلى والذئب، واخذ فكرة عن ان الذئب يأتي فقط للوحيدين كالجدة، وتحول الى الاب العارف بالله، ليس من نفسه ولكن ممن لقنوه هذه المعرفة.
اننا نتعلم هذا العالم من الملاحظة ومن افكار من سبقونا، نتحول من قصة الى اخرى، من فكرة الى اخرى حتى نصل الى ما نحن عليه، لنغدو مثل الاكثرية، ولكن من يحافظ على طفولته ويستمر في البحث عن الافكار من كل مكان يبقى كالطفل يقارن ويبحث ويقيم فتراه لا يملك صور مثل الاكثرية بل يسعى الى صور اكثر، الى معرفة اكثر يجعلها حجر اخر يضيفها الى بنائه الفكري.
ويبقى الشغف الطفولي بالتساؤل عن كل شي، ومن هذه الاشياء بالطبع هي طبيعة الله ووجوده.
ان طفولة الانسان هي طرح الاسئلة ومحاولة الاجابة عنها، الاجابات الحقيقية الغير تلقائية التي يحفظها الاباء عن ظهر قلب، ان انسانيتنا لن تخطو خارج طفولتنا لاننا سنتحول بعد ذلك الى السكون، الى الانغلاق، والى موت الانسان في طفولته البرئية.