في الايام السابقة اجتاحت جميع المواقع
الاخبارية كما مواقع التواصل الاجتماعي تصريح المغنية "شيرين عبدالوهاب"
عن نهر النيل ورادات الفعل المختلفة حول هذا التصريح، حيث قالت في ردها على إحدى معجباتها
التي طلبت منها غناء "ماشربتش من نيلها"، "هيجيلك بلهارسيا".
أنا هنا لست لأصدر اي حكم على ان ما قالته
شيرين عبدالوهاب صحيحا او خاطئا، ولست هنا لأرد عليها باي شكل من الاشكال، ولكن لأحلل
هذا الحدث واستخلص منه العبرة.
في البداية دعونا نتصور معا ان شخص ما قال:
"إن السماء تجلب مرض الانفلونزا"، او قال: "إن الارض تجلب أمراض التحسس
الجلدي" ولنتصور انسان اخر يسمع إحدى العبارتين السابقتين فماذا سيكون ردة فعله؟
ان ردة الفعل ستكون بحسب نوع هذا الانسان، هل هو انسان بسيط؟ انسان متخصص؟
في حالة الانسان البسيط فإنه سيلجأ الى
ذكرياته او ملاحظاته ليؤيد هذا القول او ليرفضه، سيرد بسيل من الذكريات التي مرت به
في التعامل مع السماء او الارض، او ملاحظاته عن قريب له او جار حصل له كذا وكذا ليدعم
رأيه في الحالتين.
في حالة الانسان المتخصص فإنه سيلجأ الى
الدراسة التي قامت حول الموضوع في الماضي يقرأها ويصنفها ويدعو الى دراسة علمية اذا
لم يجد اي شيء يخبره عن الادعاء المذكور من احدهم.
إن الامر لا يخرج عن هذين النوعين من الناس،
ولكن ما حصل كان شيء آخر، لقد تم اتهام شيرين عبدالوهاب بمواطنتها حتى وصل الامر الى
تخوينها، واصدرت نقابة الفنانين في مصر امرا بمنعها من الغناء فيها، وقامت الجماهير
الواسعة بالهجوم عليها بطريقة غريبة، ولكن لماذا؟ ما السبب الذي ادى الى ذلك؟
السبب الاول والاساسي هو ان شيرين عبدالوهاب
شخصية عامة، كلماتها البسيطة تصبح تصريحا، وتصرفاتها مهما كانت عفوية ولا معنى لها
فستوضع تحت المجهر وسيتم تفسيرها بتفسيرات يبلغ عددها الناس التي وصلتهم الاخبار، ان
الامر لا يغدو رأي بسيط قاله احدهم ولكن في حالة شيرين فالموضوع غير بسيط، الامر معروف
في عالم التسلية والترفيه في بلدان كثيرة لذلك فان الفنانين غالبا ما يلجؤون الى متخصصين
واستشاريين لتدريبهم على ما يقولونه او ما لا يقولونه، ما يفعلون وما لا يفعلون.
السبب الثاني والاساسي ايضا هو الثقافة
الشعبية التي تعتبر مجرد الرأي بأي شيء لا يوافق التوجه العام بانه خيانة، او مجرد
الاشارة الى اي مشكلة هو اشتراك في مؤامرة على الوطن، المختلف ولو بقدر قليل هو خروج
عن المجتمع وانكار للثوابت واضعاف للجماهير، هذه الثقافة الشعبية ليست حكرا على شعوب
منطقتنا ولكن يمكن ايجادها حتى في بلدان الشمال الغنية وان كانت بمستويات اقل بكثير
وذلك بسبب جو الانفتاح والسماح للجميع بالتعبير عن ما يجول في تفكيرهم.
ان كلام شيرين عبدالوهاب هو اشارة الى تلوث
النيل، الكل يعرف ذلك، المتخصصون ومنذ وقت طويل يتكلمون عن ذلك، ولكن لم يلتفت لمن
يتكلم عن ذلك احد لانهم شخصيات غير معروفة او كلامهم لا يجد طريقه الى وسائل الاعلام
ببساطة، ان كلام شيرين يجب ان يكون تنبيه لا سبة، ان يكون خطوة في الاتجاه الصحيح وليس
دليل ادانة.
نعم ايها السادة، ان مياهنا في الشرق الاوسط
كله ملوثة كما كل مياه العالم، اذا لم تصدق ذلك، اذهب الى اي نهر او بحيرة واغرف منه
او منها كوب ماء واشربه وستبدأ المشاكل الصحية اذا داومت عليه بدلا من الماء المعالج.